عبد القاهر الجرجاني
50
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
وتلاقتْ مَعانيها ، على الوجهِ الذي اقتضاهُ العقلُ . وكيف يُتَصَّور أنْ يُقصَد به إلى توالي في النُّطق ، بعد أن ثَبَتَ أنّهُ نظْمٌ يعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ ، وأنه نَظيرُ الصَّياغةِ والتَّحْبِير والتَّفْويفِ والنَّقشِ ، 1 وكلِّ ما يُقصَد به التَّصويرُ ، وبعْدَ أن كنَّا لا نَشكُّ في أنْ لا حال لِلفظةٍ معَ صاحبتها تُعْتَبر إذا أنتَ عزلْتَ دلالَتَهما جانباً ؟ وأَيُّ مساغٍ للشكَّ في أنَّ الأَلفاظَ لا تستحقُّ من حيثُ هي ألفاظٌ ، أن تنظم على وجه دون وجه ؟ 42 - وفو فرَضْنا أنْ تَنْخلِعَ مِن هذهِ الألفاظ ، التي هيَ لغاتٌ ، دلالَتُها 2 ، لَمَا كان شيءٌ منها أحق بالتقديم من شيء ، ولا تصور أنْ يَجِبَ فيها تَرتيبٌ ونَظْمٌ 3 . ولو حفَّظْتَ ضبيبًا شطْرَ " كتابِ العين " أو " الجمهرة " ، مِنْ غيرِ أن تُفَسِّر له شيئاً منه ، وأخذْتَه بأن يَضْبِطَ صُوَرَ الألفاظِ وهيأَتَها 4 ، ويؤدِّيها كما يؤدِّي أصنافَ أصواتِ الطيور 5 ، لرأيتَهُ ولا يَخْطرُ له ببال أن من شانه أن يوخر لَفْظاً ويقدِّم آخرَ ، بل كان حالُه حالَ من يرم ى الحصبى ويعد الجوز ، اللهم إلا أنتسومه أنتَ أَنْ يأتيَ بها على حُروفِ المعجم ليحفظ نسق الكتاب .
--> 1 يقال : " برد مفوف " ، رقيق فيه خطوط بياض على هيئة الوشي . 2 " دلالتها " فاعل " نتخلع " . 3 في " س " ، وفي نسخة بغداد وعند رشيد رضا : ولا تصور " ، وفي المطبوعة : " ولا يتصور " . 4 في المطبوعة : " وهيئتها " بالإفراد . 5 في " ج " : " كما يؤدي أصوات الطيور " ، وفي نسخة بغداد " كما أرجح " في هامش المخطوطة : كما يحكى أصوات الطيور " .